ليلة التحضير لزواج الملك


كان اليوم هو يوم الاحد الثالث عشر من تموز 1958. وكان الملك فيصل وعائلته مجتمعين في قصر الرحاب وهم يضعون الترتيبات الاخيرة لسفره الى اسطنبول ومن ثم لندن، وفي لندن كان من المقرر أن يلتقي الملك فيصل الثاني الذي بلغ من العمر في تلك الليلة (23 سنة) بخطيبته الاميرة فاضلة في لندن حيث تقرر زواجهما خلال شهرين، وكان مقررا أن يرافقه في سفره رئيس وزرائه نوري السعيد وبعض أركان حكومته. ومن العائلة كان سيرافقه بعض أميرات الاسرة وأزواجهن. وقبل ظهر ذلك اليوم استقبل الملك بعض زائريه في مكتبه وتناول طعام الغداء مع أغلب افراد أسرته، ودخل جناحه الخاص للاشراف على اعداد حقائب السفر.

ورغم جو الدعابة الذي ساد اجتماع افراد الاسرة وهم يتناولون الشاي فان شيئا من القلق والتوجس كان يسيطر على مشاعر بعض الاميرات وبخاصة الاميرتان عابدية وبديعة.

لقد حلق شعر رأسه بطريقة اظهرته أكثر شبابا وهو يفكر بلقاء خطيبته. وكان بين لحظة واخرى يسأل الحضور ضاحكا مستفسرا عن رأيهم بتسريحة شعره:

ـ شو رأيكم زين شعري؟؟ قولولي زين؟ ثم يضحك بطفولة عرف بها..

وعند الساعة التي سبقت الغروب وصلت سيارة شاهدها أفراد العائلة وهم جالسون في شرفات القصر، توقفت وترجل منها ضابط يحمل رسالة سلمها للملك، تطلع اليها الملك مليا وقد اكتسى وجهه بالوجوم. وحاول اخفاء ارتباكه أمام الاميرات وناولها الى الامير عبدالاله الذي لم يقدر على اخفاء ارتباكه حال الاطلاع عليها، ثم استأذن الحاضرين وخرج من القصر.

لقد ترك هذا الذي جرى تاثيرا نفسيا يبعث على التشاؤم في نفوس أفراد الاسرة. لكن الملك الشاب حاول تلطيف الجو ودعا الجميع لمشاهدة فيلم (لعبة البيجاما) تمثيل دوريس داي.


فحوى الرسالة والليلة الأخيرة


كانت الرسالة من مدير الامن العام تتضمن معلومات مقتضبة تفيد بوجود تحركات مريبة من قبل الجيش، دون ايراد تفاصيل، وكان خروج عبدالاله من القصر لكي يستدعي مدير الامن العام ليبحث معه مصادر المعلومات وماهية هذه التحركات. لكن الوقت كان مثل السيف، ولم يتح فرصة كافية لاحتواء الموقف، وحينما عاد عبدالاله الى القصر تاركا التحقيق في الامر الى اليوم التالي، كان تحرك اللواء العشرين على طريق جلولاء بغداد قد بدأ. وأصبح حكم القدر قاب قوسين عن قصر الرحاب. بعد مشاهدة الفيلم اجتمعت الاسرة للعشاء. وكان الملك الشاب يحاول الابتسام والضحك لطرد المخاوف التي تنطوي عليها تساؤلات الاميرات عن سبب غياب الوصي ومحتوى الرسالة. وبعد العشاء عانق الملك خالاته وقريباته من الاميرات عناقا كان يبدو وكأنه الوداع الاخير او العشاء الملكي الاخير. وبعدها أوى الملك الى جناح نومه أملا للنهوض مبكرا استعدادا للسفر. وما أن حان منتصف الليل حتى أطفئت انوار قصر الرحاب. بانتظار صباح جديد.


* * *